• ×
alqawba.com@gmail.com
الخميس 4 مارس 2021 07-05-2020
 0  0  25

الإيمان والحياة 3

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما كثيرا ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ )
أما بعد معاشر المسلمين : تكلمت في الجمعتين الماضيتين عن آثار الإيمان على الإنسان ، وفي هذه الجمعة سأختم الحديث عن هذا الموضوع فأقول مستعينا بالله . إن من آثار الإيمان : آثاره في اللحظة الأخيرة ، في تلك اللحظة الحاسمة ، في لحظة الموت العصيبة المريرة التي لا يثبت فيها إلا المؤمنون ، يوم يعتقل اللسان ، ولو لم يعتقل ، لصاح الميت من شدة ما يلاقي من السكرات حتى تندك جدران الغرفة التي هو فيها ، يوم يخدر الجسم ، ولو لم يخدر لما مات أحد على فراشه ، ولما مات إلا في شعب الجبال ورؤوسها من شدة ما يلاقي من السكرات . اللحظة التي صورها من عاناها بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام ، يوم يغمى عليه ويصحو ، ويقول : لا إله إلا الله ، إن للموت لسكرات ، لحظة عاناها رسول الله ، وعاناها صحابة رسول الله ، ووصفها أحدهم وهو عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرضاه فقال : وهو في اللحظات الأولى من لحظات السكرات ، ولا زال لسانه لم يعتقل ، ولا زال جسمه لم يخدر : والله لكأن على كتفي جبل رضوى ، وكأن في جوفي شوكة عوسج ، وكأن روحي تخرج من ثقب إبرة ، وكأن السماء أطبقت على الأرض وأنا بينهما . في هذه اللحظات المريرة العصيبة ، يأتي أثر الإيمان واليقين ، فيلهمك الله النطق بالشهادتين : ومن كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة . في تلك اللحظات يأتي المؤمنون فيسعدون بتلك اللحظات ؛ لأنهم يعلمون أنها آخر عناء وتعب ، وآخر نصب ووصب ، ليس هذا فحسب ، بل تستقبلهم الملائكة ، بل تبشرهم الملائكة ، فلا خوف ولا حزن ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ) رجل صالح من أهل الطائف كان عابدا فاضلا ، نزل مع بعض أصحابه إلى مكة محرما ، ودخلوا الحرم بعد أن انتهت صلاة العشاء ، فتقدم ليصلي بهم وهو محرم . فقرأ سورة الضحى ، فلما بلغ قول الله عز وجل وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى شهق وبكى وأبكى ، فلما قرأ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ترنح قليلا ثم سقط ميتا ؛ ليبعث يوم القيامة بإذن الله مصليا ؛ ومن مات على شيء بعث عليه . وأحد الصالحين بلغت به سكرات الموت مبلغا ، فيقولون له : قل : لا إله إلا الله ، فكان يقول ( يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ) ليلقى الله على تلك الحال ( يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يشاء ) فلا إله إلا الله ، كتب الموت على كل شيء واختص نفسه سبحانه بالبقاء ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ* وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ ) في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم ، فإن كانت صالحة قالت : قدموني قدموني ، وإن كانت غير ذلك قالت بصرخات تقض المضاجع : يا ويلها أين تذهبون بها ، لما ترى من العذاب ، فيسمع صوتها كل شيء إلا الثقلين الإنس والجن . وتفزع البهائم فزعا يلاحظه من يتابع سير البهائم بلا سبب ، فلعل ذلك مما تسمعه ولا نسمعه نحن من صرخات المفرطين التي تقض المضاجع . أما والله لو حملنا جنازة من الجنائز ثم سمعنا تلك الصرخات يا ويلها أين تذهبون بها ، لصعقنا ، ولما تدافنا ، ولما حملنا جنازة أبدا ، ولقد خشي هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا كما في الصحيح يوم يقول : والله لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع . وها هو صلى الله عليه وسلم يرى أناسا مجتمعين فيسأل عن سبب اجتماعهم ؟ فقيل : على قبر يحفرونه ، فذهب رسول الله عليه الصلاة والسلام فزعا مسرعا حتى انتهى إلى القبر ، فجثى على ركبتيه ثم بكى طويلا ، ثم رفع رأسه فإذا دموعه تتحدر على لحيته قائلا : أي إخواني ! لمثل هذا فأعدوا .
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها
إلا التي كان قبل الموت يبنيها
فإن بناها بخير طاب مسكنه
وإن بناها بشر خاب بانيها
الموت باب وكل الناس داخله
يا ليت شعري بعد الموت ما الدار
الدار دار نعيم إن عملت بما
يرضي الإله وإن فرطت فالنار
ومن آثار الإيمان : السكينة والثبات في القبر يوم تطرح وحيدا فريدا ، لا أنيس ولا صاحب ولا قريب ولا حبيب ولا خليل ، يوم تكون مع أهلك في ليلة تفترش الوثير ، وتشرب النمير ، وإذ بك في ليلة أخرى تفترش التراب مرتهنا بعملك ، فيا لحسرتك إن كنت محسنا تريد الزيادة ، وتعض أصابع الندم على ما فرطت ، وإن كنت مسيئا ندمت على التفريط ، وأنى لك بالندم أن ينفعك في تلك اللحظة ؟ وأنت على هذه الحال تأتيك نعمة الإيمان ، فيثبتك الله ويلهمك الإجابة عند السؤال ، فينادي مناد في السماء أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة ، وألبسوه من الجنة ، وافتحوا له بابا إلى الجنة ، فيأتيه من روحها وطيبها ، ويفسح له في قبره مد بصره ، ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح ، فيقول أبشر بالذي يسرك ، هذا يومك الذي كنت توعد ، فيقول له من أنت فوجهك الوجه يجيء بالخير ، فيقول أنا عملك الصالح ، فيقول رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي . فينام نومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه . وتأتي آثار الإيمان يوم القيامة ، يوم يبعثر ما في القبور ، ويحصل ما في الصدور ، يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً )( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهُ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ منْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) يوم يسأل كل إنسان عن عمره فيما أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ، وعن علمه ماذا عمل به ، يوم يجمع الله الخلائق وأنت منهم ، علويهم والسفلي ، أولهم والآخر ، ذكرهم والأنثى ، حفاة عراة ، قلقين فزعين ، قد دنت الشمس منهم قدر ميل ، قد بلغ العرق منهم الحناجر ، ثم يقول الله : يا آدم ! فيقول : لبيك وسعديك ، فيقول الله : أخرج بعث النار من ذريتك ، قال : يا رب وما بعث النار ؟ قال : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون . يومها يشيب الصغير ، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت ، وتضع كل ذات حمل حملها ، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ، عندها تجد المؤمنين تحت ظل الرحمن يوم لا ظل إلا ظله ، آمنين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون .
اللهم اجعلنا ممن يستظل في ظلك يوم لاظل إلا ظلك . أقول ماتسمعون ...








الحمد لله على إحسانه ....
أما بعد عباد الله : وتظهر آثار الإيمان عند الميزان : يوم تعرض السجلات سجلا سجلا ، وصفحة صفحة ، وكلمة كلمة ، ولحظة لحظة ، لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، فلن ينجوا عند ذلك إلا من حاسب نفسه في الدنيا ، ووزن أعماله وتتبع أقواله وأفعاله ، كما قال عمر رضي الله عنه : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ ) ينادى بعدها على رؤوس الخلائق لقد سعد فلان ابن فلان ، سعادة لا يشقى بعدها أبدا . وتظهر آثار الإيمان يوم يعبر المرء على الصراط ، هذه العقبة التي لا مفر من ولوجها ، ولا مناص من المرور عليها ، أقسم الرب جل جلاله أن يورد عباده عليها ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ) فمن الناس من يمر على الصراط كالبرق ، ومنهم كالريح ، ومنهم كأجاويد الخيل ، ومنهم كركاب الإبل ، ومنهم من يمشي على رجليه ، ومنهم من يزحف زحفا ، ومنهم من يتساقط في النار تساقط الفراش على الشهاب . وتظهر آثار الإيمان يوم يقول الله ( ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ) يوم يقول الله يا أهل الجنة ، فيقولون : لبيك ربنا وسعديك ، والخير كله في يديك ، فيقول : هل رضيتم ؟ فيقولون : وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك ، فيقول : ألا أعطيكم أكثر من ذلك ؟ فيقولون : يا رب ، وأي شيء أفضل من ذلك ؟ فيقول : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا . فيكشف الحجاب ؛ فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم تبارك وتعالى ( وجوه يومئذ ناضرة إلا ربها ناظرة ) فحيا على ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ( فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُم من قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )
معاشر المؤمنين : عار أيما عار أن يكون الإيمان أمرا هامشيا في حياتنا ، يجب أن يكون هو قضية القضايا ، لا يجوز أن نغفل عنه أو ندعه في زوايا النسيان ؛ كيف وهو أمر يتعلق بوجود الإنسان ومصيره .
فيا ساهيا في غمرة الجهل والهوى
صريع الأماني عن قليل ستندم
أفق قد دنا الموت الذي ليس بعده
سوى جنة أو حر نار تضرم
وتشهد أعضاء المسيء بما جنى
كذاك على فيه المهيمن يختم
فحي على جنات عدن فإنها
منازلنا الأولى وفيها المخيم
وحي على روضاتها وخيامها
وحي على عيش بها ليس يسأم
اللهم يا من لا تراه العيون ، ولا تخالطه الظنون ، يا من دبر الدهور ، وقدر الأمور ، وعلم هواجس الصدور ، يا من عليه يتوكل المتوكلون ، أقل العثرة واغفر الزلة ، اللهم تول أمرنا ، وكن لنا ولا تكن علينا ، اللهم لا تجعل بيننا وبينك في رزقنا أحدا سواك ، اللهم اجعلنا أغنى خلقك بك ، وأفقر عبادك إليك ، وهب لنا غنى لا يطغينا ، وصحة لا تلهينا ، واغننا اللهم عمن أغنيته عنا . اللهم أصلح من في صلاحه صلاح للإسلام والمسلمين ، وأهلك من في هلاكه صلاح للإسلام والمسلمين . اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه ، واجعل تدبيره تدميره يا قوى يا عزيز . اللهم انصر جنودنا في الجنوب ، اللهم سدد رميهم واكتب لهم النصر والتمكين ، اللهم آمنا في دورنا ، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا ، اللهم خلقت أنفسنا وأنت تتوفاها ، فزكها أنت خير من زكاها ، أنت وليها ومولاها ، لك مماتها ومحياها . يا رب إنا أبائنا وأمهاتنا عبيدك ، بنو عبيدك ، بنو إمائك ، في حاجة إلى رحمتك ، وأنت غني عن عذابهم ، اللهم فجازهم بالإحسان إحسانا ، وبالإساءة عفوا وغفرانا ، اللهم آنس وحشتهم في القبور ، وآمن فزعهم يوم البعث والنشور ، واغفر لنا ولهم ولجميع موتى المسلمين يا أرحم الراحمين . سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين .

التعليقات ( 0 )

أكثر

مواقيت الصلاة

09:51 صباحاً
الفجر 5:15 am
الشروق 6:35 am
الظهر 12:25 pm
العصر 3:46 pm
المغرب 6:16 pm
العشاء 7:46 pm

المملكة العربية السعودية Hayil

استطلاع رأي

هل تستمع إلي القرأن أثناء القيادة؟

استطلاعات سابقة