• ×
alqawba.com@gmail.com
الخميس 4 مارس 2021 07-05-2020
 0  0  34

التربية الإيمانية

التربية الإيمانية
إن الحمد لله نحمده ونستعينه , ونستغفره , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا , ومن سيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل لـه , ومن يضلل فلا هادي لـه . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه , وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَـمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ )
أما بعد : فإن أصدق الحديث كتاب الله , وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور مـحدثاتها , وكل محدثة بدعة , وكل بدعة ضلالة , وكل ضلالة في النار . أما بعد معاشر الإخوة :
فإن مجرد نظرة متأنية في واقع المسلمين اليوم , كفيلة بأن تعكـس حالةَ الفوضى , والتراجع الأخلاقي التي يعيشها سواد كبير من الناس .
وإن المرء يتساءل , أي إسلام هذا ؟ وأي أخلاق تلك ؟ التي يتصف بها أولئك البشر ؟ فهل من الإسلام , غياب الأمانة وموت الضميِر , وفشو الظلم وأكل الرشاوى ؟ وهل من الإسلام , قطيعة الأرحام وعقوق الوالدين ، والهجران بين المسلمين وجفاف الطباع ؟ ألا إن الجهود الدعوية في مرحلة المخاضِ هذه , السابقة لولادة الأمة الجديدة , ينبغي أن تعنـى بتركيز متقن على بث الوعي الديني الصحيح بفرائضِ الإسلام و أخلاقه , وبعـبارة أخرى تربية الأمة تربية إيمانية مدروسة , لتؤتي أكلها و لو بعد حين .
معاشر الإخوة : ولن يعي أهميةَ هذه التربية وأثرها البالغ على النفوسِ , إلا أولئك الذين درسوا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم , ورأوا بأنفسهم حجم عنايته عليه الصلاة والسلام بتلك التربية الإيمانية لأصحابه , واعتباره إياها نقطةَ الانطلاقة الأولى نحو إصلاح أمته ونجاح دعوته . فقد كان من ركائز تلك التربية الإيمانية الجادة , التي بذل رسول الله صلى الله عليه وسلم غاية وسعه وقصارى جهده في تحقيقها , كان من ركائز تلك التربية ، تحقيق التوحيد الخالص في النفوس , والإيمان الجازم بصدق الرسول ، وبكل ما جاء به من عند العليم الخبير , وما يتبع ذلك من إيمان بملائكة الله وكتبه ورسله وبقضائه وقدره , مع إيلاء عقيدة الإيمان باليوم الآخر مزيد اهتمام , وفهم لما لها من الأثر العميق في سلوك المرء وتصرفاته. أيها الأحبة في الله : ويوم ترسخت تلك المفاهيم العالية في نفوس ذلك الجيل الفريد , كانت الثمرة يانعة , كانت الثمرة حياة في الضمير وانـشراحا في الصدر , وشفافية في الحسِ ومثالية في التعامل , وسعة في الأفقِ ورقيا في الأخلاق . انظر يرحمك الله , كيف أثمرت تلك التربية الجادة , حياة في ضمير الأمة آنذاك , الضمير الذي كان يتململ قلقا ويتضجر ألما , حين يقع الخطأ أو تزل القدم . هذا ماعز رضي الله عنه تسول لـه نفسه الأمارة , ويغريه الشيطان اللعين , فيرتكب فاحشة الزنا على حينِ ضعف في عزيمته , وذهول في تفكيره , واخـتلال في موازينه , وخطأ في حساباته . حتى إذا ما قضى وطره من الحرام , وأشبع غريزته في غير ما أحل الله , إذا بالدنيا تسود في وجهه , وتظلم في عينيه ويشعر بكآبة تختنق لها أنفاسه , ويضيق لها صدره , وإذا بوخز الضمير يقض مضجعه بقوة ويطارد أعصابه بعنف , فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم , دون ضغط أو إكراه من أحد , يأتي معترفا بذنبه , مقرا بجريمته , مقدما نفسه للموت بكل شجاعة وثبات , يأتي رسول الله فيقول : يا رسول الله , إنِي ظلمت نفسي وزنيت فطهرني , فيرده رسول الله عليه الصلاة والسلام مرة بعد مرة , ثلاث مرات , مخافةَ أن يكون بعقله بأس , أو في شعوره خلل , ولا والله , ما بعقله من بأس ولا مكروه , ولكنَه رجل علم أن وراء الحياة موتا , وأن وراء الموت قبرا , وأن وراء القبر بعثا , وأن وراء البعث حشرا , وأن وراء الحشر حسابا , وأن وراء الحساب جنة أو نارا . إنه رجل يعلم يقينا أنَه حين يرتكب فاحشة , أو يلم بذنب , فإن هناك إلها سميعا بصيرا , لا تغيب عنه غائـبة في الأرضِ ولا في السماء , إنها التربية الإيمانية التي تصنع ضميرا حيا , وقلبا نابضا وشعورا مرهفا . إنها التربية الإيمانية التي تتجسد في لوم للنفسِ وبكاء على الخطيئة , وبدار إلى الفدية رجما بالحجارة حتى الموت . ما ضره رضي الله عنه وكأن الذنب لم يكن ، ما ضره وقد قال عنه المصطفى عليه الصلاة والسلام : لقَد تَاب تَوبة لو قسمت بين أمة لَوسعتهم . وفي رواية لقَد رأيته يتخضخض في أَنهار الْجنة .
معاشر المسلمين : وأما الاستهانة بالزخارف , والمظاهر الجوفاء , فذاك أثر آخر من آثار تربيةَ محمد عليه الصلاة والسلام , لذلك الرعيل المدهش . هذا ربعي بن عامر , رسول سعد بن أبي وقاص إلى رستم , قائد الجيوشِ الفارسية , يدخل على رستم , وقد زين مجلسه بالنمارقِ والزرابي الحرير , وجمل إيوانه باللآلئِ الثمينةَ , واليواقيت العظيمة , وقد تربع ذلك المجوسي على سرير من ذهب , وفوق رأسه تاج مرصع , فيدخل ربعي بن عامر , بثياب صفيقة , وينزل عن فرسه , ويقبل على رستم , يتوكأ على رمحه فوق النمارقِِ المفروشة , فيخرق عامتها غير مكترث بالسيوف اللامعة فوق رأسه . إن ربعي بن عامـر , لم يكن همـجيا في تصرفاته , أو مستهترا في سلوكه , ولكنه أراد أن يلقن أولئك المفتونين درسا عمليا , بأن تلك الزينة وذاك المتاع زائل لا محالة , طال الزمان أم قصر , وأنه لا قيمةَ لذلك العرض حين يغيب الإيمان وتنتكس الفطرة , ويجحد حق الرب جل جلاله . إن ربعي بن عامر , يريد أن يقول بتصرف لا يفهمه إلا الأذكياء , أنه لا قيمةَ لهذه القصور ولا لهذه الدور , ولا لتلك اللآلئ ولا تلك الفرش , يوم يزج بأصحابها على وجوههم في نار جهنم , فغمسة في النار تنسي كل نعيم في هذا الدنيا .
معاشر المسلمين : كما كان من آثار التربية الإيمانية , التي تشربها صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام ، الأمانة وعفة النفسِ , تلك التي وقعت حائلا وسدا منيعا , أمام المطامع والشهوات الجارفة . لقد وقع في تاريخ الفتح الإسلامي , من قضايا العفاف عنِ المغنم , وأداء الأمانات إلى أهلها , ما يعجز عن ذكر ما يماثله , وما ذاك إلا لرسوخ الإيمان ومراقبة الملك الديان , واستحضار علمه في كل مكان وزمان , لما هبط المسلمون المدائن , وجمعوا ما فيها من الغنائم , أقبل رجل بحق معه , فدفعه إلى صاحب الأقباض , فقال والذين معه , ما رأينا مثل هذا قط , ثم سألوه هل أخذت منه شيئا ؟ فقال أما والله لولا الله , ما أتيتكم به , فقالوا : من أنت يرحمك الله ؟ من أنت ؟ فقال : لا والله ِ, لا أخبركم لتحمدوني ولكن أحمد الله وأرضى بثوابه , يا سبحان الله ، أي رجال هؤلاء ، يعثر على كنز من كنوز كسرى , يقدر بالملايين , في يوم فتح عظيم , فيأبى عليه إيمانه وأمانته أن يحوزه إلى متاعه , أو يستأثر به لنفسه , رغم بعده عن الرقيب وانشغال النَاس عنه , فيحمله بكل أمانة وعفة إلى حيث يقسم بالعدل , ويأبى أن يفصح عن اسمه , مكتفيا بثناء الله ورضاه ، إنها التربية التي أولاها رسول الله عليه الصلاة والسلام عنايته , وأنفق لها وقته وبذل من أجلها وسعه ، إنها التربية التي أثمرت في قلوب المسلمين شجاعة خارقة للعادة , وحنينا صادقا إلى الجنَة , واستهانة نادرة بالحياة , تمثلوا الآخرة , وتجلت لهم الجنة بنعمائها , كأنهم يرونها رأي عين , فطاروا إليها طيران حمام زاجل لا يلوي على شيء .
هذا عمير بن الحمام , يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض , فيقول عمير : يا رسول الله , جنة عرضها السموات والأرض , قال : نعم , قال : بخ بخ , فيقول رسول الله , ما يحملك على قول بخ بخ ؟ قال : لا والله يا رسول الله , إلا رجاء أن أكون من أهلها : قال : فإنك من أهلها . فأخرج عمير تمرات من قرنه , فجعل يأكل منها , ثم قال : لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه , إنها لحياة طويلة , فرمى بالتمرات , ثم قاتل حتى قتل , رحمه الله ورضي عنه . عجيب أمر أولئك البشر ، إنهم يستهينون بالموت , ويستثقلون وطأة الحياة , حين يكون الثمن هو الجنة , لذا وجدتهم أسودا لا تشبههم الأسود , صدقا في اللقاء , قهرا للعداء , لئن أنا حييت , حتى آكل هذه التمرات , إنها لحياة طويلة .
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ، ونفعني وأيا كم بالذكر الحكيم ، واستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم .


الحمد لله يعطي ويمنع , ويخفض ويرفع , ويضر وينفع , ألا إلى الله تصير الأمور . وأصلي وأسلم على الرحمة المهداة , والنعمة المسداة , وعلى آله وأصحابه والتابعين .
أما بعد معاشر الإخوة : فمما تقدم ذكره , ندرك بجلاء ووضوح , أثر التربية الإيمانية التي أولاها رسول الله صلى الله عليه وسلم عنايتَه في حياة الأمة آنذاك , يوم غاب الظلم والخوف , وساد العدل والإيمـان في كل زاوية من زوايا المجتمع , و تحقق للأمة في ظرف مائة عام من النصر والفتح والتمكين , ما أبهر العقول وأسر الأفئدة ، والأمة اليوم , بحاجة جد ماسة إلى اقتفاء المنهج المحمدي في الإصلاح والدعوة ، إن الجهود ينبغي أن تتجه نحو تحقيق التربية الإيمانية , القائمة على أساسِ ترسيخ عقيدة الإيمان باليوم الآخر , وبذلك تنتهي جميع مشاكل المسلمين , وتتلاشى الانقسامات والخصومات , ويختفي البغي والظلم والعدوان , حينها تتفرغ الأمة , لمواجهة عدوها المشترك من الكفرة والمنافقين والذين لم يدخروا وسعا , ولم يألوا جهدا في تمزيقِ الأمة , وإشاعة الفرقة والخصومة بين أبناء الجسد الواحد .
أيها المسلمون : ولن يتحقق شيء من ذلك , إلا بتظافر الجهود بين الجميع كل على ثغره , فالمسؤول في دائرته , والمدرس في مدرسته , والأب في بيته ، وعلى العلماء والدعاة خاصة , أن يبذلوا جهودهم في التربية والإصلاح , وأن يبصروا الناس بأسباب سعادتهم , وبواعث عزتهم , حنفاء لله غـير مشركين به , أعـوذ بالله من الشيـطان الرجيم ( قُل هذه سبِيلي أدعو إِلى الله على بصيرة أنا ومنِ اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشرِكين)
اللهم إنا نسألك إيمانا يباشر قلوبنا ، ويقينا صادقا وتوبة قبل الموت ، وراحةً بعد الموت ، ونسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم , والشوق إلى لقائك في غيِر ضراء مضرة ولا فتنة مضلة ، اللهم زينا بزينة الإيمانِ ، واجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين , بالمعروف آمرين وعن المنكر ناهين يا رب العالمين , اللهم انصر المستضعفين من المؤمنين ، اللهم احقن دماءهم ، اللهم ارفع البلاء عنهم يارب العالمين ، اللهم ليس لهم حول ولا قوة إلا بك . اللهم انصرهم على من ظلمهم وعاداهم ، واشف صدور قوم مؤمنين ، اللهم عليك بالكفرة والملحدين والمنافقين الذين يصدون عن دينك ، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك ، اللهم زلزلهم وزلزل الأرض من تحت أقدامهم ، اللهم سلط عليهم من يسومهم سوء العذاب يا قوي يا متين ، اللهم آمنا في الأوطانِ والدور ، وأصلح الأئمةَ وولاة الأمور , يا عزيز يا غفور , سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .

التعليقات ( 0 )

أكثر

مواقيت الصلاة

08:24 صباحاً
الفجر 5:15 am
الشروق 6:35 am
الظهر 12:25 pm
العصر 3:46 pm
المغرب 6:16 pm
العشاء 7:46 pm

المملكة العربية السعودية Hayil

استطلاع رأي

هل تستمع إلي القرأن أثناء القيادة؟

استطلاعات سابقة