• ×
alqawba.com@gmail.com
الخميس 4 مارس 2021 07-05-2020
 0  0  15

السعادة

السعادة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيما)ً
أما بعد معاشر المسلمين : إن السعادة في الحياة هدف يبحث عنه كل إنسان ، فما من أحد إلا ويكره حياة النكد والشقاء ، وينشد حياة السعد والهناء ، ولهذا تعددت مشارب الناس في البحث عن السعادة ، إلا أن الكثير قد أخطأ الطريق في إدراك معنى السعادة الحقة ، لأنه لم يسلك الطريق الذي رسمه الله في كتابه ، وبينه رسوله في حياته وسنته . فمن الناس من يبحث عن السعادة في جمع الأموال وتكثير العتاد ، فيراها في تحصيل القناطير المقنطرة من الذهب والفضة ، والخيل المسومة والأنعام والحرث ، ومنهم من يبحث عن السعادة في المناصب والرئاسة ، وحب الاستعلاء والظهور ، ومنهم من ينشد السعادة في كثرة الأولاد وصحة الأبدان ، والمظاهر والشكليات ، ومنهم من يرى السعادة في كثرة اللهو واللعب ، وإمضاء الساعات في التنزه في الاستراحات ، وعلى الشواطئ والمتنزهات ، أو في السفريات هنا وهناك . بل إن البعض قد فتحوا على أنفسهم أبوابا من التعاسة والشقاء . قد ( ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) فيعكفون على القنوات والغناء والمحرمات ، ظنا منهم أنها تجلب لهم الأنس والسعادة . لقد طلب السعادة أقوام على مر العصور بطرق منحرفة ، فكانت سببا في هلاكهم ، فهذا فرعون اللعين ، ينعم الله عليه بأعظم النعم ، يعطيه ملك مصر ، ويجري له الأرزاق والأنهار ، فيكفر نعمة ربه ( يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري ) فكان عاقبة هذا العتو والتكبر ( فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ) وهاهو قارون اللئيم ، أعطاه الله كنوزا كالجبال ، ما جمعها بجهده ولا بذكائه ، وقد حذره الله مغبة كفره وفساده ، فكانت عاقبته ( فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين ) وهذا الوليد بن المغيرة ، يرزقه الله مالا ممدودا وبنين شهودا ، عشرة من الأبناء حضورا عن يمينه وشماله ، فيكفر نعمة ربه عليه ، فيكتب عليه الشقاء ( ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان لآياتنا عنيدا سأرهقه صعودا ) وغيرهم كثير ممن انقلب سعيهم حسرة وندامة ، وشقاء وتعاسة . والحق إخوتي : أن السعادة أمر معنوي ملموس ، لا يقاس بالنوع والكم ، ولا يشترى بالدينار والدرهم ، لا يملك بشر أن يعطيها من حرمها ، ولا أن ينزعها ممن أوتيها
ولست أرى السعادة جمع مال
ولكن التقي هو السعيد
فتقوى االله خير الزاد ذخرا
وعند الله للأتقى مزيد
السعادة الحقة بالإيمان بالله تعالى وطاعته ( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً من ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) فالسعادة كلها في طاعة الله ، والسعادة كلها في السير على منهج الله وعلى طريقة محمد بن عبد الله ( وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) انشراح في الصدر ، وطمأنينة في القلب ( أَفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ من رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللهِ ) يقول أبو سليمان الداراني : والله لولا قيام الليل ما أحببت البقاء في هذه الدنيا ، ووالله إن أهل الليل في ليلهم مع الله ، ألذ من أهل اللهو في لهوهم ، والله إنه لتمر بالقلب ساعات يرقص فيها طربا بذكر الله ، حتى أقول إن كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه ، إنهم لفي نعيم عظيم ( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب * الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مئاب ) يا باحثا عن السعادة : الصلاة هي فواتح الخير وخواتمه ، هي قرة عيون المؤمنين ، ومعراج المتقين ، ركعتين خاشعتين كفيلتين أن تنهي كل هم وغم وكدر وإحباط . قال عليه الصلاة والسلام : وجعلت قرة عيني في الصلاة . يا باحثا عن السعادة : بالذكر يصل الذاكر إلى المذكور ، قال الذي لا ينطق عن الهوى : من لزم الاستغفار ، جعل الله له من كل ضيق مخرجا ، ومن كل هم فرجا ، ورزقه من حيث لا يحتسب . دخل عليه الصلاة والسلام ذات يوم المسجد ، فوجد رجلا من الأنصار يقال له أبو أمامة ، فقال يا أبا أمامة ، مالي أراك جالساً في المسجد في غير وقت الصلاة ؟ قال : هموم لزمتني ، وديون يا رسول الله ، قال : أفلا أعلمك كلاما إذا أنت قلته أذهب الله عز وجل همك ، وقضى عنك دينك ، قلت بلى يا رسول الله ؟ قال قل إذا أصبحت وإذا أمسيت : اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ، وأعوذ بك من العجز والكسل ، وأعوذ بك من الجبن والبخل ، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال ، قال أبو أمامة : ففعلت ذلك ، فأذهب الله عز وجل همي وقضى عني ديني ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا( ومن أسباب السعادة ، عدم التشوف للمفقود ، أعني بها القناعة ، قال عليه الصلاة والسلام : من أصبح منكم آمنا في سربه ، معافى في جسده ، عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا . وقال : قد أفلح من أسلم ورزق كفافا ، وقنعه الله بما أتاه . واسمعوا لهذا الحديث القاطع للأطماع ، قال عليه الصلاة والسلام : انظروا إلى من هو أسفل منكم ، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم ، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم .
هي القناعة فالزمها تعش ملكا
لو لم يكن لك إلا راحـة البدن
فأين من ملك الدنيا بأجمعهـا
هل راح منها بغير القطن والكفن
إن المؤمن الصادق ، دائما في سعادة وهناء . عجبا لأمر المؤمن ، إن أمره كله خير ، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن ؛ إن أصابته سراء شكر ؛ فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر ؛ فكان خيرا له ( أَفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ من رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللهِ )
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه ، وبسنة نبيه ، أقول ما تسمعون ، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ، ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة ، فاستغفروه وتوبوا إليه ، إنه هو الغفور الرحيم .
الحمد لله وكفى ، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى ، والتابعين لهم بإحسان ومن اقتفى .
أما بعد عباد الله : إن في الدنيا جنة ، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة ، وجدها الأنبياء والصالحون ، وجدها خليل الله ابراهيم حين ألقي في النار ، فلجأ إلى الله يدعوه ( قلنا يا نار كوني بردا وسلما على إبراهيم ) وجدها نبي الله أيوب عليه السلام ، وبه من الضر والبلاء العظيم ( أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ) فعاش يناجي ربه ( فاستجبنا له فكشفنا مابه من ضر وءاتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين ) وجدها نبي الله يونس عليه السلام ، وهو في ظلمات ثلاث ، انقطعت به الحبال إلا حبل الله ( فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين ) وجدها نبينا عليه الصلاة والسلام ، وقد آذاه قومه وحاربوه ، ونالوا من عرضه وأدموه ، وأخرجوه وطاردوه ، ويقول لأبي بكر في إيمان وراحة واطمئنان ( لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم ) وجدها شيخ الإسلام ابن تيمية ، وقد كبله أعدائه بالحديد ، وأغلقوا عليه باب السجن في غرفة ضيقة مظلمة فيقول ( فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ ) وقال في سكينة واطمئنان : ما يفعل أعدائي بي ؟ أنا جنتي وبستاني في صدري ، أنى رحت فهي معي لا تفارقني ، أنا حبسي خلوة ، وقتلي شهادة ، وإخراجي من بلدي سياحة ، إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة ، إنها جنة الإيمان واليقين . يختم المصحف في السجن بضعا وثمانين مرة ، حتى إذا بلغ قول الله جل وعلا ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ ) لقي الله فرحمه الله . وجدها ابراهيم بن أدهم أحد سادات التابعين الفقراء ، ينام في طرف السكك في بغداد ، لا يجد كسرة الخبز وهو يقول : والذي لا إله إلا هو ، إنا لفي عيش لو علم به الملوك وأبناء الملوك ، لجالدونا عليها بالسيوف . قال عليه الصلاة والسلام : والله ما الفقر أخشى عليكم ! ولكن أخشى أن تبسط لكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم ، فتنافسوها كما تنافسوها ، فتهلككم كما أهلكتهم . روى أهل السير أن هارون الرشيد بنى قصرا عظيما في بغداد ، أنفق في بنائه الكنوز ، وكان على نهر دجلة يدخل النهر من شمال القصر ، ويخرج من جنوبه ، وحوله الحدائق الغناء التي تتمايل أشجارها على النهر ، فلما دخل فيه ، ودخل الناس عليه يهنئونه بقصره وحدائقه ، كان فيمن دخل عليه أبو العتاهية ، فوقف أما هارون ثم قال :
عش ما بدالك سالما في ظل شاهقة القصور
يجري عليك بما أردت مع الغدو مع البكور
فإذا النفوس تغرغرت بزفير حشرجت الصدور
فهناك تعلم موقنا ماكنت إلا في غرور
فبكى هارون حتى وقع على الأرض ، ثم أمر بالستور فهتكت ، والأبواب فأغلقت ، ونزل قصره القديم ، فلم يمض عليه شهر واحد حتى أصبح في عداد الموتى ، وقد كان يغزو سنة ويحج سنة حتى مات . ولما حضرت عبد الملك بن مروان الوفاة ، وأنزل من على كرسي ملكه ، وكان أعظم ملوك بني أمية ، سمع غسالا بجانب القصر ينشد في سعادة وهناء ، وهو يغسل الثياب ، فقال عبد الملك : يا ليتني كنت غسالا ، يا ليتني ما عرفت الخلافة ولا توليت الملك . ثم مات بعدها . فبلغ ذلك سعيد بن المسيب علم التابعين في زمانه ، فقال الحمد لله الذي جعلهم يفرون إلينا في سكرات الموت ، ولا نفر إليهم . وفي الختام : إن سعادة الدنيا سعادة مؤقتة بعمر قصير محدود ، من طلبها وحدها فسينسى ذلك في غمسة واحدة يغمسها في جهنم ، وأما سعادة الآخرة ، فهي السعادة الدائمة التي لانقطاع لها ، فلو حصل للإنسان في حياته ما حصل من التعاسة والشقاء ، لم يكن بعد ذلك نادما أبدا ؛ لأن غمسة واحدة في الجنة ، تنسيه تلك الآلام ، وتنسيه ذلك الشقاء وتلك التعاسة . وصدق ربنا حين قال ( فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين )
اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ، ربنا إنك رءوف رحيم . اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، وأذل الشرك والمشركين ، وانصر عبادك المجاهدين ، واجعل هذا البلد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين . اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا ، اللهم ارزقهم البطانة الصالحة الناصحة يارب العالمين ، عباد الله : إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، يعظكم لعلكم تذكرون ، فاذكروا الله العظيم يذكركم ، واشكروه على نعمه يزدكم ، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .

التعليقات ( 0 )

أكثر

مواقيت الصلاة

08:48 صباحاً
الفجر 5:15 am
الشروق 6:35 am
الظهر 12:25 pm
العصر 3:46 pm
المغرب 6:16 pm
العشاء 7:46 pm

المملكة العربية السعودية Hayil

استطلاع رأي

هل تستمع إلي القرأن أثناء القيادة؟

استطلاعات سابقة