• ×
alqawba.com@gmail.com
الخميس 4 مارس 2021 07-05-2020
 0  0  15

التكبر والإعجاب

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل لـه , ومن يضلل فلا هادي لـه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه , وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً )
أما بعد : فإن أصدق الحديث كتاب الله , وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور مـحدثاتها , وكل محدثة بدعة , وكل بدعة ضلالة , وكل ضلالة في النار .
معاشر المسلمين : لقد كرم الله الإنسان حين خلقه بيده ، ثم سواه ونفخ فيه من روحه ، وجعل له السمع والأبصار والأفئدة ، صوره فأحسن صورته ، وأسجد له ملائكته ، وحباه من النعم ما لا يعد ولا يحصى ، فسخر له مافي السموات وما في الأرض ، واستخلفه في الأرض ليعمرها ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناه في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا )
عباد الله : ومع هذا التكريم وهذه العناية ، إلا أن هناك أناس أصيبوا بمرض فتاك وداء عضال ، طرد من أجله إبليس من ملكوت السماء ، إنه الكبر وما أدراكم مالكبر ، والكبر في ميزان الشرع ، بطر الحق وغمط الناس . أي رد الحق واستحقار الناس ، فلان لا أصل له ، وفلان لا شيئ ، وفلان مسكين وضعيف ، وفلان أسود أو أحمر ، إلى غير ذلك من شعارات الجاهلية الحمقاء . إن التكبر خلق ذميم موجب لغضب الرحمن ، وسبب عظيم من أسباب الحرمان ، وُعرْضَة لانتقام الجبار من هذا العصيان . بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه ، مرجِّل جُمَّتَه ، يختال في مشيته ، إذ خسف الله به الأرض ، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة . رواه البخاري . إن المتكبر لن تصيب أنوار الهداية قلبه ( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ الذين يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ) وسيختم على قلبه بخاتم الطرد والإبعاد ( كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار ) فتنة التكبر عباد الله : لا تنبت إلا في نفس مريضة وقلب عليل ، فعراقة الأصل والنسب ؛ والمنصب العالي ، والثراء الفاحش ، والشهرة الواسعة ، فتن لماعة ربما جرت صاحبها لمرض الانتفاخ والتعاظم . داء التكبر قد يأتي في سياق الوضوح والصراحة ، وقد يجيء في صور التعريض والإلماحة . الحديث عن النفس في سياق الإطراء ، صورة صريحة للتعالي . مراءات الناس بالأعمال صورة صامتة للتكبر . وفي الحديث : الرجل يقاتل ليرى مكانه . لاحظ له من أجر الشهادة . النقد اللاذع للآخرين ، وحشد هفواتهم واحتقار آرائهم وأفعالهم ، هي رسالة خفية لإعلاء شأن الذات . التعصب للرأي ، وعدم الرجوع للحق خشية التعرض للقدح والتنقص ، دالة على الكبر والغرور . الأنفة من النصيحة واحتقار أهلها ، نوع من التكبر . وفي الحديث الصحيح : لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر .
إن العلاج إخوتي لهذا الداء . أن يعلم المتكبر أن المِنَة لله جميعا ، فهو الذي يعطى وهو الذي يمنع ، والله قادر على أن يَسْلب نعمته ما بين غَمْضَة عين وانْتِبَاهتها ( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) ( وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ).
ومن العلاج : أن يتأمل المعجب عيوب نفسه وَيسَعى في قمعها ، وأهل مكة أدرى بِشِعَابها ، فالعاقل مَنْ ميَّز عيوب نفسه فجَاهَدَهَا وحاسبها ، وأتم الناس أعرفهم بنقصه .
لنفسي أبكي لست أبكي لغيرها
لنفسي عن نفسي من الناس شاغل
ومن العلاج : أن يجلس المرء حيث ينتهي به المجلس ، فذلك أدعى لكسر نخوة النفس وعجبها ، وهي السنة فاتبعها ، وأَنْعِم بها من خُلَّة .
ومن العلاج : تعويد النفس على حب الفرار من الشرف حتى تعتاد ، فمن فرَّ منه وهب له ، ومن تواضع لله رفعه ، ومن تكبر وضعه . قال عليه الصلاة والسلام : من تعظم في نفسه واختال في مشيته ، لقي الله وهو عليه غضبان .
ومن العلاج : تقليب سيرة النبي وصالحي أمتنا ، ففي أخبارهم عجبا ، وفي سيرهم تربية وعبرا ، ثَبَتَ عنه وهو خير من دبَّ على الثرى ، أنَّه كان يَعْتَقِل الشَّاة ، ويُجِيب دعوة المملوك ، ويركب الحمار ، ويقول : إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد . ويقف بين يديه رجل يرعد كما تَرْعَد السَّعفة فيقول : هوِّن عليك ؛ فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد ، يقول أنس : إن كانت الأَمَة من إِماء المدينة لتأخذ بيد النبي عليه الصلاة والسلام فتنطلق به حيثُ شاءت . ويأتي من بعده كوكبةٌ من أتباعه الذين رباهم صلى الله عليه وسلم ليَنْهَجوا نهجه ، ويَسْتَنُّوا بسنته ، فإذا أنت بخير من دب على الثرى بعد الأنبياء ؛ أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه يبعث وينفذ جيش أسامة ضارباً بكل مثبط عرض الحائط ، ليخرج في وداعه ماشياً و أسامة راكباً ، يقول أسامة : يا خليفة رسول الله ؛ لتركبن أو لأنزلن . فيقول : والله لا ركبتُ ولا نزلتَ ، وما عليَّ أن أُغَبِّر قدميَّ في سبيل الله ساعة . ورُوِي عن الفاروق أن نادى يوماً الصلاة جامعة ، فلما اجتمع الناس ، وقالوا : الأمر خطب وعظيم ، صعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على نبيه ثم قال : أيُّها الناس ؛ لقد رأيتني وأنا أرعى غنيمات لخالات لي من بني مخزوم على قبضة من تمر ، أو قبضة من زبيب ، فأظل يومي وأي يوم ، وأستغفر الله لي ولكم ، ثم نزل من على المنبر . فقال ابن عوف رضي الله عنه : وَيْحَك يا أمير المؤمنين ، ما زدت على أن قمئت نفسك وعبتها أمام الرعية ، فقال : ويحك يـابن عوف ! لقد خلوت بنفسي فحدثتني فقالت : أنت أمير المؤمنين ، من ذا أفضل منك ، فأردت أن أُذِلَّها وأُعَرِّفَها قدرها .
فمن يباري أبا حفص وسيرته ومن يُحاول للفاروق تشبيها
وقال الحسن : رأيت عثمان رضي الله عنه نائماً في المسجد في ملحفةٍ له ، ليس حوله أحد ، وهو أمير المؤمنين . وقيل لـعمر بن عبد العزيز ، لو أوصيت بدفنك بجوار عمر بن الخطاب في حجرة رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال : والله لأَن أَلْقى الله بكل ذنبٍ غير الشرك ، أحبُ إليَّ من أن أراني أهلاً لتلك المنزلة . ويأتيك الإمام مالك يَبْرق في ثوب التواضع يَرْفُل عزاً ، فيقول : ما رأيت مسلماً إلا وظننت أنه خير مني . تلك بعض سير القوم ، وشيئ من هضمهم لأنفسهم واحتقارهم لأعمالهم ، لم يتسلل العُجْب إلى نفوسهم ، ولم يدخل الغرور إلى قلوبهم ، تواضعوا لله فرفعهم الله ، وفي الدنيا والآخرة يكرمهم بإذنه ( أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ )
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبآي الذكر الحكيم أقول ....












الحمد لله على إحسانه ....
أما بعد عباد الله : إن المقياس في شريعتنا بالتقوى ، ولربما كان رث الثياب ضعيف الجسم دميم الخلقة ، أعظم قدرا عند الله من جميل الصورة فاره الثياب بدين الجسم . قال الذي لا ينطق عن الهوى : رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره . رواه مسلم . وثبت أنه مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لرجل عنده جالس : ما رأيك في هذا ؟ قال : رجل من أشراف الناس ، هذا والله حَرِيٌّ إن خَطَبَ أنْ يُنكح ، وإنْ شَفَعَ أن يُشَفَّع ، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم مر رجل آخر ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما رأيك في هذا ؟ فقال : يا رسول الله ! هذا رجل من فقراء المسلمين ، هذا حَرِي إنْ خَطَبَ ألا يُنكَح ، وإنْ شَفَعَ ألا يُشَفَّع ، وإنْ قال ألا يُسمَع لقوله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا خير من ملء الأرض مثل هذا . متفق عليه .
وفي الختام : إن الاستعانة بالله ، واللجوء إلى الله ، علاج ناجع في تطهير القلب من هذه الآفات ، ومن استعان بالله أعانه الله .
فسل العياذ من التكبر والهوى
فهما لكل الشر جامعتان
إن قيمة الحياة الدنيا ومفاهيمها الخاصة بها ، تتلاشى يوم القيامة ، فلا جاه الدنيا ولا نسبها ، ولا مالها ولا مناصبها تنفع عند الله ، وإنما هو الإيمان والتقوى والعمل الصالح . قال عليه الصلاة والسلام : إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة ، لا يزن عند الله جناح بعوضة . وقال أقرءوا ( فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ) متفق عليه . وصدق ربنا حين قال ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين )
اللهم إنا نبرئ إليك من أن نتكبر . ونعوذ بك من أن نصر على معصية ، ونستغفرك عن تقصيرنا ، ونستعين بك على ماعجزنا عنه ، اللهم هب لنا ما يعيننا على طاعتك ، اللهم اغفر لنا ذنوبنا ، وطمئن لنا نفوسنا ، وارزقنا لذة الإيمان بك ، اللهم إن نسألك توبة قبل الموت ، وراحة بعد الموت ، ونسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم ، والشوق إلى لقائك ، في غيِر ضراء مضرة ولا فتنة مضلة . اللهم انصر الموحدين من عبادك في كل مكان .
عباد الله : صلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة عليه ، إمام المتقين وقائد الغر المحجلين ، وعلى آله وصحابته أجمعين . وارضى اللهم عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وسائر الصحابة أجمعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . اللهم آمنا في الأوطان والدور ، وأصلح الأئمةَ وولاة الأمور . سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .

التعليقات ( 0 )

أكثر

مواقيت الصلاة

09:45 صباحاً
الفجر 5:15 am
الشروق 6:35 am
الظهر 12:25 pm
العصر 3:46 pm
المغرب 6:16 pm
العشاء 7:46 pm

المملكة العربية السعودية Hayil

استطلاع رأي

هل تستمع إلي القرأن أثناء القيادة؟

استطلاعات سابقة