• ×
alqawba.com@gmail.com
الخميس 4 مارس 2021 07-05-2020
 0  0  14

المراقبة

الحمد لله الرحيم الرحمن { عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} فأبان الإنسان عن مكنون نفسه بلسانه ، أو خطه ببنانه ، نحمده على نعمه الكثيرة ، وآلائه الجسيمة ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ؛ جعل مراقبته إحسانا فوق الإسلام والإيمان ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ؛ بلغ الرسالة ، وأدى الأمانة ، ونصح الأمة ، وبلغ البلاغ المبين ؛ حتى أتاه اليقين ، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين .
أما بعد : فاتقوا الله تعالى وأطيعوه ، وراقبوه في السر والعلن ؛ فإن أعمالكم محصاة عليكم ، وإن ألفاظكم مدونة في كتابكم { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلّا لَدَيه رَقِيبٌ عَتِيدٌ }
أما بعد عباد الله : إنكم تسألون يوم القيامة عما قلتم وما عملتم ، فكم من قائل قولا أنكره ، وكم من عامل عملا جحده ، فتشهد الأركان بالأقوال والأعمال { الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } إن مراقبة الله : هي دوام علمك بأن الله مطلع عليك ظاهرا وباطنا ، ومن تحقق له مقام المراقبة ، صار من المحسنين الذين يستحقون معية الله ( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك . وهي التي ينفرد بها أهل الإيمان الذين قدروا الله حق قدره ، وعظموه حق التعظيم ( مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا )
فهو العليم أحاط علما بالذي
في الكون من سر ومن إعلان
وهو العليم بما يوسوس عبده
في نفسه من غير نطق لسان
بل يستوي في علمه الداني
مع القاصي وذو الإسرار والإعلان
فهو السميع يرى ويسمع كل ما
في الكون من سر ومن إعلان
فلكل صوت منه سمع حاضر
فالسر والإعلان مستويان
ويرى خيانات العيون بلحظها
إي والذي برأ الورى وبراني
لقد خلق الله السماوات سبعا ، وخلق الأرضين سبعا ، وما بين الأرض وما بين السماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام ، وما بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام ، وسمك كل سماء مسيرة خمسمائة عام ، ومن فوق السماء السابعة مسيرة خمسمائة عام ، ومن فوق ذلك عرش الرحمن ، ومن فوقه ربنا سبحانه وبحمده بائن من خلقه ، مستو على عرشه . لايخفى عليه شيئ في الأرض ولا في السماء ( يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ) ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) إنه علم الله المطلق ، يعلم ويسمع ويرى دبيب النملة السوداء على الصخرة السوداء في الليلة الظلماء ، لا إله إلا هو . عن ثوبان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأعلمن أقواما من أمتي يوم القيامة يأتون بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء ، يجعلها الله هباء منثورا ، قال ثوبان : صفهم لنا ؟ جلهم لنا ؟ ألا نكون منهم يا رسول الله ؟ قال : أما إنهم إخوانكم ، ومن جلدتكم ، ويأخذون من الليل كما تأخذون ، لكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها . إنها ذنوب الخلوات التي هي أصل الانتكاسات ، وفي هذا العصر سهلت الخلوة بالمعصية وكثرت ، وذلك عبر أجهزة تقنية لا تتعدى حجم الكف ، تنقل شرا مستطيرا لاعاصم منه إلا الله ، إنها فتنة من فتن العصر ، جعلت كثيرا من الناس يعيش بشخصيتين متنافرتين ؛ فهو الوقور الحيي أمام الناس ، لكن يخلع الحياء إذا خلى بنفسه . فيا مرتكب المعاصي مختفيا عن أعين الخلق ، أين الله ؟ ويا منتهكا حرمات الله في الظلمات . في الخلوات . في الفلوات ، بعيدا عن أعين المخلوقات ، أين الله ؟ إلى من يملأ عينه وأذنه في ثلث الليل الآخر بمعاصي الله ؛ أين الله ؟ ( يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ ) قال رجل لوهيب ابن الورد : عظني ، قال اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك . إن الخلوات عباد الله رفعت أقواما ووضعت آخرين ، وللقوم فيها أخبار وأسرار ، هاهو عمر رضي الله عنه يعس في ليلة من الليالي ، ويتتبع أحوال الأمة ، فيمر بامرأة تغيب عنها زوجها منذ شهور في الجهاد في سبيل الله ، قد تغيبت في ظلمات ثلاث : في ظلمة الغربة والبعد عن زوجها ، وفي ظلمة الليل ، وفي ظلمة قعر بيتها ، وإذا بها تنشد وتقول وتحكي مأساتها :
تطاول هذا الليل وازور جانبه
وأرقني ألا حبيب ألاعبه
فو الله لولا الله لا رب غيره
لحرك من هذا السرير جوانبه
من الذي راقبته في ظلام الليل ، وفي بعد عن زوجها ، وفي هدأة العيون ؛ والله ما راقبت إلا الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء . أنعم بها من مراقبة ، وأنعم بها من امرأة ! أما والله لو راقبنا الله حق المراقبة ؛ لصلحت الحال واستقامت الأمور . فيا أيها المؤمن : إن عين الله تلاحقك أينما ذهبت ، وفي أي مكان حللت ؛ في ظلام الليل ، وراء الجدران ، وراء الحيطان ، في الخلوات ، في الفلوات ، ولو كنت في داخل صخور صم . هل علمت ذلك واستشعرت ذلك فاتقيت الله ظاهرا وباطنا ، فكان باطنك خيرا من ظاهرك ؟
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل
خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة
ولا أن ما تخفيه عنه يغيب
قيل للجنيد : بم أستعين على غض البصر ، فقال بعلمك أن نظر الناظر إليك أسبق من نظرك إلى المنظور إليه .
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم ، وبآي الذكر الحكيم ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .





الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه ، كما يحب ربنا ويرضى ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ، ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين .
أما بعد : فاتقوا الله تعالى وراقبوه ، فإنه يحصى عليكم بخيره وشره { أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ }
معاشر المسلمين : إن من عرف الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى ، وأدرك عظمته وجبروته وسلطانه الذي لا يقهر , وعينه التي لا تنام , راقب الله حق المراقبة { وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد * هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ * من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من خاف أدلج , ومن أدلج بلغ المنزل . ونظير هذا ما جاء في قصة نوح بن مريم . فقد كان ذا نعمة وثراء وجاه ، وكان له ابنة ذات منصب وجمال ، وكان معه عبد اسمه مبارك لا يملك من الدنيا قليلا ولا كثيرا ، ولكنه يملك الدين والخلق ومن ملكهما فقد ملك كل شيء ، أرسله سيده إلى بساتين له ، وقال له : اذهب إلى تلك البساتين ، وقم على خدمتها إلى أن آتيك ، فمضى وبقي في البساتين لمدة شهرين ، وجاءه سيده وجلس تحت شجرة وقال : يا مبارك ، ائتني بقطف من عنب ، فجاءه بقطف فإذا هو حامض ، فقال ائتني بقطف آخر ، فأتاه بآخر فإذا هو حامض ، فقال ائتني بآخر ، فجاءه بالثالث فإذا هو حامض ، وكاد أن يستولي عليه الغضب ، وقال يا مبارك ، أطلب منك قطف عنب قد نضج وتأتيني بقطف لم ينضج ، ألا تعرف حلوه من حامضه ؟ قال والله ما أرسلتني لآكله ، وإنما أرسلتني لأحفظه وأقوم على خدمته ، والذي لا إله إلا هو ، ما ذقت منه عنبة واحدة ، والذي لا إله إلا هو ، ما راقبتك ولا راقبت أحدا من الكائنات ، ولكني راقبت الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء . فأعجب به ، وأعجب بورعه ، وقال الآن أستشيرك ، والمؤمنون نصحة ، والمنافقون غششة ، والمستشار مؤتمن ، تقدم لابنتي فلان وفلان من أصحاب الثراء والمال والجاه ، فمن ترى أن أزوج هذه البنت ؟ فقال مبارك : لقد كان أهل الجاهلية يزوجون للأصل والحسب والنسب ، واليهود يزوجون للمال ، والنصارى للجمال ، وعلى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يزوجون للدين والخلق ، وعلى عهدنا هذا للمال والجاه ، والمرء مع من أحب ، ومن تشبه بقوم فهو منهم . أي نصيحة وأي مشورة ، نظر وقدر وفكر ، وتملى ونظر فما وجد خيرا من مبارك ، قال أنت حر لوجه الله فأعتقه ، ثم قال : لقد قلبت النظر ، ورأيت أنك خير من يتزوج بهذه البنت ، قال اعرض عليها ، فذهب فعرض على ابنته ، قالت أترضاه لي ؟ قال نعم . قال : فإني أرضاه مراقبة للذي لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء . فكان الزواج المبارك من مبارك ، فما الثمرة وما النتيجة ؟ حملت هذه المرأة وولدت طفلا أسمياه عبد الله ، لعل الكل يعرفه ، إنه عبد الله بن المبارك المحدث الزاهد العابد ، الذي ما من إنسان قلب صفحة من كتب التاريخ إلا ووجده حيا بسيرته وذكره الحسن ، إنها ثمرة مراقبة الله عز وجل .
فيا عباد الله : اعلموا علم يقين أن الله هو الرقيب ، وأنه الحسيب ، وأنه لا ملجأ منه إلا إليه ، ولا مهرب منه إلا إليه ، فاتقوا الله فيما تقولون ، واتقوا الله فيما تفعلون وتذرون ، اتقوا الله في جوارحكم ، اتقوا الله في مطعمكم ومشربكم ، اتقوا الله في ألسنتكم ، واتقوا الله في بيوتكم وأبنائكم ، واتقوا الله حيثما كنتم ( وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) اللهم يا من لا تراه العيون ، ولا تخالطه الظنون ، يا من عليه يتوكل المتوكلون ، أقل العثرة ، واغفر الزلة ، اللهم كن لنا ولا تكن علينا ، وامكر لنا ولا تمكر بنا ، وتول أمرنا ، اللهم لا تجعل بيننا وبينك في رزقنا أحدا سواك ، اللهم اجعلنا أغنى خلقك بك ، وأفقر عبادك إليك ، وهب لنا غنى لا يطغينا ، وصحة لا تلهينا ، واغننا اللهم عمن أغنيته عنا . اللهم أصلح من في صلاحه صلاح للإسلام والمسلمين ، وأهلك من في هلاكه صلاح للإسلام والمسلمين . اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه ، واجعل تدبيره تدميره يا قوى يا عزيز . اللهم خلقت أنفسنا وأنت تتوفاها ، فزكها أنت خير من زكاها ، أنت وليها ومولاها . اللهم إنا عبيدك ، بنو عبيدك ، بنو إمائك ، في حاجة إلى رحمتك ، وأنت غني عن عذابنا ، اللهم فجازنا بالإحسان إحسانا ، وبالإساءة عفوا وغفرانا ، اللهم آنس وحشتنا في القبور ، وآمن فزعنا يوم البعث والنشور ، واغفر لنا ولجميع موتى المسلمين يا أرحم الراحمين ، اللهم كن لإخوتنا المستضعفين والمأسورين والمضطهدين . والمجاهدين في كل مكان يارب العالمين ، اللهم كن لهم أجمعين ، اللهم أفرغ عليهم صبرا وثبت أقدامهم وانصرهم على القوم الكافرين ، اللهم أمنا في أوطاننا ، وأصلح ولاة أمورنا ، وارزقهم البطانة الصالحة يارب العالمين . اللهم اجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يارب العالمين ، عباد الله : صلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه بقوله ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) اللهم صل وسلم على نبيك محمد ، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

التعليقات ( 0 )

أكثر

مواقيت الصلاة

08:23 صباحاً
الفجر 5:15 am
الشروق 6:35 am
الظهر 12:25 pm
العصر 3:46 pm
المغرب 6:16 pm
العشاء 7:46 pm

المملكة العربية السعودية Hayil

استطلاع رأي

هل تستمع إلي القرأن أثناء القيادة؟

استطلاعات سابقة