• ×
alqawba.com@gmail.com
الخميس 4 مارس 2021 07-05-2020
 0  0  17

بناء النفس 1

إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما كثيرا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مسْلِمُونَ)
أما بعــد معاشر المسلمين : اعلموا أن النفس بطبيعتها طموحة إلى الشهوات واللذات ، كسولة عن الطاعات وفعل الخيرات ، لكن في قَمعها عن رغبتها عزها ، وفي تمكينها مما تشتهي ذلها وهوانها ؛ وعلى هذا فالناس مختلفون في بناء أنفسهم وتأسيسها وتربيتها اختلافا بينا جليا واضحا ، يظهر ذلك في استقبال المحن والمنح ، والإغراء والتحذير ، والنعم والنقم ، والترغيب والترهيب ، والفقر والغنى ؛ فمنهم من أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان ؛ فلا تضره فتنة ، ولا تزعزعه شبهة ، ولا تغلبه شهوة كحال يوسف عليه السلام في عنفوان شبابه ، وفي قمة نضجه ؛ تخرج وتبرز إليه امرأة العزيز الجميلة ، بأبهى حلة ، متعطرة ، متبهرجة ، مبدية لمفاتنها ، قد غلقت الأبواب ، ودعته بصريح العبارة ، فقالت : (هَيْتَ لَكَ ) أقبل ( قَالَ مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ إنه لايفلح الظالمون ) ولم تقتصر الفتنة عند ذلك ؛ بل ازدادت سعيرا حين شملت نساء علية القوم ؛ حين أعجبن بيوسف عليه السلام وفتن برجولته وجماله ؛ فأخذن يطاردنه يردنه أن يعمل بهن الفاحشة ، وتبلغ الأمور ذروتها يوم تأتي امرأة العزيز تهدده ، وتقول (وَلَئِن لمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونن من الصَّاغِرِينَ ) فماذا قال ؟ (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن منَ الْجَاهِلِينَ ) إنه الثبات بكل معانيه . أما الصنف الثاني : فأسس بنيانه على شفا جرف هار ، يعبد الله على حرف ، إن أصابه خير اطمأن به ، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة . إن المؤمن ليقف حزينا وهو يرى مثل هذا الصنف البائس ، وقد غرق في شهواته الهابطة ، وفي نزواته الخليعة السافلة . عباد الله : إننا بحاجة ماسة إلى بناء أنفسنا ، وتأسيسها على تقوى من الله ورضوان ، أشد من الحاجة إلى الطعام والشراب والكساء .
لماذا الحديث عن بناء النفس ؟ والجواب : لكثرة الفتن والمغريات وأصناف الشهوات والشبهات التي انتشرت في هذا الوقت وفي هذا الزمن . لماذا الحديث عن بناء النفس ؟ لكثرة حوادث النكوص على الأعقاب ، والانتكاس والارتكاس . لماذا الحديث عن بناء النفس ؟ لأن المسئولية ذاتية ، ولأن التبعة فردية (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نفْسِهَا ) لماذا الحديث عن بناء النفس ؟ لعدم العلم بما نحن مقبلون عليه ؛ أهو الابتلاء أم التمكين . لماذا الحديث عن بناء النفس ؟ لأننا نريد أن نبني غيرنا ، ومن عجز عن بناء نفسه فهو أعجز وأقل من أن يبني غيره وفاقد الشيء لا يعطيه .
معاشر الأحبة : هناك عوامل كثيرة لبناء النفس . منها : التقرب إلى الله عز وجل بما يحب من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة ، وخير ما تقرب به المتقربون إلى الله الفرائض التي فرضها الله جل وعلا ، وعلى رأس هذه الفرائض توحيد الله جل وعلا وإفراده بالعبادة وحده لا شريك له ، ثم إن في النوافل لمجالا واسعا عظيما لمن أراد أن يرتقي إلى مراتب عالية عند الله تبارك وتعالى ، وفضل الله واسع يؤتيه من يشاء . قال صلى الله عليه وسلم ، فيما يرويه عن ربه ، كما في البخاري : وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ؛ فإذا أحببته ، كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأًعيذنه . لكن علينا أن ننتبه في هذه القضية إلى أمور :
أولا : الحذر من تحول العبادة إلى عادة ؛ لأن البعض يألَف بعض العبادات حتى يفقد حلاوتها ولذتها ؛ فلذلك تراه لا يستشعر أجرها ، فتصبح العبادة حركة آلية لا أثر لها في سمت أو قول أو عمل أو بناء .
ثانياً : الحذر من الاهتمام بالنوافل على حساب الفرائض ؛ لأن البعض يخطئ ، فيهتم بالأدنى على حساب الأعلى ، وما في العبادات دنيء ، فيحرص مثلا على صلاة التراويح والقيام ، ثم ينام عن صلاة الظهر والعصر . فالواجب مقدم ولا شك .
ثالثا : التركيز على أعمال القلوب ، وتقديمها على أعمال الجوارح ؛ فالقلوب هي محل الفكر ، ومحل التدبر ، ومحل العلم ، والقلب مع الجوارح كالملك مع الجنود : ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ؛ ألا وهي القلب .
معاشر الإخوة : إن من عوامل بناء النفس : المجاهدة : وكل فكرة لا يصحبها مجاهدة فهي في طريقها إلى الاضمحلال والذوبان والزوال ، يقول الله جل وعلا (وَالذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) قيل للإمام أحمد : يا إمام ، متى الراحة ؟ فيقول وهو يدعو إلى المجاهدة : الراحة عند أول قدم تضعها في الجنة . إِي والله ! إنها الراحة الأبدية التي يستعذَب كل صعب في سبيل الوصول إليها ( في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) وأعظم المجاهدة مجاهدة النيات : فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى . والعمل بغير نية عناء ، والنية بغير إخلاص رياء ، والإخلاص من غير صدق هباء ( وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً منثُوراً ) يأتي أناس يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة يجعلها الله هباء منثورا ، مع أنهم كانوا يصلون مع المصلين ، ويصومون مع الصائمين ، لكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ؛ أمام الناس عباد زهاد نساك ، لكن إذا خلَوا ظنوا أن الله لا يعلم كثيرا مما يعملون . واعلموا أحبتي في الله أن للإخلاص علامات اعرض أعمالك عليها ، واختبر نفسك وجاهدها
ومنها : استواء المدح والذم ؛ فالمخلص لا يتأثر بمدح مادح ، ولا ذم ذام ، لأنه جعل الهم هما واحدا ، وهو إرضاء الله رب العالمين وكفى ، ولذا يمدح أحد الأئمة في وجهه ، فيغضب ، ويقول : أشهد الله أني أمقتك على ما تقول ، والذي لا إله إلا هو ، لو علمت من نفسي ما أعلم لحثوت على رأسي التراب .
ومنها : نسيان العمل بعد عمله ، ويبقى الهم هما واحدا ، هل تقبل هذا العمل أم لم يتقبل ، و) إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ).
ومنها : إخفاء ما يمكن إخفاؤه من الطاعات ؛ خوفا من دواعي السمعة والرياء ، فمن استطاع منكم أن يكون له خبيئة من عمل صالح فليفعل . لقد كان أحد السلف يدخل مع زوجته في فراشها ثم يخادعها كما تخادع المرأة صبيها ، فإذا نامت سل نفسه ، ثم قام ليله كله ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) فما جزاؤهم ؟ ( فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُم من قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبآي الذكر الحكيم أقول ماتسمعون ....




الحمد لله على إحسانه ....
أما بعد معاشر الإخوة : ومن عوامل بناء النفس : محاسبتها محاسبة دقيقة ؛ فالنفس بطبيعتها تميل إلى الشهوات ، إلى اللذات ، إلى الهوى ؛ فلابد لها من محاسبة ، والكل لا يشك أننا إلى الله راجعون ، محاسبون على الصغير والكبير والنقير والقطمير . والأعمال محصاة في سجلات محكمة لا تغادر صغيرة ولا كبيرة (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ ) )وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْس شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ منْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ) فالمحاسبة تروض النفس وتهذبها ، وتزيد العمل الصالح ، وتولد الحياء من الله ، وتلزم خشية الله ، فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوها قبل أن توزنوا ؛ فإنه أهون في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر ( يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ ) والكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .
ومن أهم عوامل بناء النفس : طلب العلم المقرب إلى الله جل وعلا ، والعمل به ، والدعوة إليه ، والصبر على الأذى في تبليغه . قال صلى الله عليه وسلم : من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة . فأنت تسلك طريق الجنة ولا شك ، قال ذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم . والملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع . وأهل السماوات والأرض حتى الحيتان في جوف البحر يصلون على معلم الناس الخير . واعلم أن الخيرية لك : خيركم من تعلم القرآن وعلمه . وكذلك النضارة والوضاءة في الدنيا والآخرة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها ، فأداها كما سمعها ؛ فرب مبلغ أوعى من سامع . ولقد زكى النبي صلى الله عليه وسلم حملة العلم فقال : يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ، ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين . هذه المزايا العظام تحتاج في نيلها إلى صبر ومصابرة ومجاهدة . فمن لم يصبر على ذل التعلم ، بقي طول عمره في عماية الجهالة ، ومن صبر عز في الدنيا والآخرة . في البداية يقول ابن كثير : لقد كان البخاري يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه فيوقد السراج ، ثم يكتب الفائدة تمر بخاطره ، ثم يطفئ السراج لينام ، ثم يقوم أخرى وأخرى ، وكان يتعدد ذلك منه في الليلة الواحدة ، أكثر من عشرين مرة . بل إن الإمام الشافعي تذكر عنه ابنته وتقول : إنه في ليلة واحدة أطفأ وأضاء السراج ستين مرة . فما الذي نامه هؤلاء من ليلهم ، لقد كانت الشدائد في سبيل تحصيل العلم عندهم أشهى وألذ وأحلى من جنى النحل في الفم ؛ لأنهم يعرفون قدر ما يأخذون .
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم
إن التشبه بالكرام فلاح
ثم إن لكل شيء ثمرة ، وثمرة العلم العمل والدعوة ، وعلم بلا عمل كشجر بلا ثمر ، وما أحوج الأمة في حاضرها إلى الدعوة إلى الله جل وعلا . ما أحوج الأمة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى بصيرة ، إن سفينة الأمة تتقاذفها الأمواج يمنة ويسرة ويخرق فيها المفسدون كل يوم خرقا ؛ فإن لم تجد من يصلح تلك الخروق ، فلربما تتحطم السفينة ، وتغرق ولاشك ، وسيغرق من على ظهرها ، وركابها بحاجة إلى أن يكونوا على قدر كبير من الوعي والبناء واليقظة لما يراد بهم ، وبإصلاح النفوس تصلح السفينة وتسلم ولاشك . إن تبليغ هذا الدين ، يروض النفوس ويكسبها الصبر ، ويكسبها الحلم والطمأنينة والسكينة ؛ إذ إنه لابد من مخالطة المدعوين ، ولابد من الصبر على أذاهم ، والحنو عليهم لانتشالهم مما هم فيه ، ومن يبني غيره هو أحق بأن يكون ثابت البناء ، لا يزحزح بسهولة . هذه بعض العوامل المهمة في بناء النفس بناء مؤسسا على تقوى من الله ورضوان ؛ ها هي بين أيديكم اسمعوها وعوها واعملوا بها ، نفعني الله وإياكم بها ، ولنا صلة بهذا الموضوع في الجمعة القادمة بإذن الله تعالى .
اللهم أنت خلقت أنفسنا وأنت تتوفاها ؛ فزكها أنت خير من زكاها ، أنت وليها ومولاها ، لك مماتها ومحياها ، إن أحييتها فاحفظها بما تحفظ به أنفس الصالحين ، وإن أمتها فاغفر لها وارحمها وأنت خير الراحمين ، اللهم أتمم لنا العافية في الآخرة والدنيا والدين ، أنت ولينا توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين ، اللهم اقذف في قلوبنا رجائك حتى لا نرجو أحدا غيرك . اللهم إنا نسألك إيمانا ثابتا ، ويقينا صادقا حتى نعلم أنه لن يصيبنا إلا ما كتبت لنا ، اللهم لا نهلك وأنت رجائنا ، احرسنا بعينك التي لا تنام وبركنك الذي لا يرام . اللهم أكشف عنا وعن المسلمين كل شدة وضيق ، واكفنا والمسلمين ما نطيق وما لا نطيق ، اللهم فرج عنا وعن المسلمين كل هم وغم ، وأخرجنا والمسلمين من كل حزن وكرب . اللهم احفظ إيماننا وأمن بلادنا ، ووفق ولاة الأمر لما فيه صلاح الإسلام والعباد . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

التعليقات ( 0 )

أكثر

مواقيت الصلاة

08:27 صباحاً
الفجر 5:15 am
الشروق 6:35 am
الظهر 12:25 pm
العصر 3:46 pm
المغرب 6:16 pm
العشاء 7:46 pm

المملكة العربية السعودية Hayil

استطلاع رأي

هل تستمع إلي القرأن أثناء القيادة؟

استطلاعات سابقة