• ×
alqawba.com@gmail.com
الخميس 4 مارس 2021 07-05-2020
 0  0  13

بناء النفس 2

إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما كثيرا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مسْلِمُونَ)
أما بعــد معاشر المسلمين : تحدث في الجمعة الماضية عن جملة من العوامل في بناء النفس ، وفي هذه الجمعة سوف أكمل الحديث عن هذا الموضوع ، فأقول مستعينا بالله : ومن عوامل بناء النفس : المداومة على العمل وإن قل ؛ لأن المداومة على الأعمال الصالحة والاستمرار عليها ، تثبيت وترويض للنفس البشرية لمواجهة أعباء الطريق وتكاليفه ، وصرف لمكايد الشيطان ونوازعه ، ولذا لما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الأعمال أحب إلى الله ؟ قال : أدومها وإن قل . وقال صلى الله عليه وسلم : تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة . فإذا عود المرء نفسه على الفضائل انقادت له ولاشك ، والشيطان إذا رآك مداوما على طاعة ملك ورفضك ، وإن رآك مرة هكذا ومرة هكذا طمع فيك ؛ فداوم على الطاعات ؛ فإن الله من فضله وكرمه ، أنه إذا جاء ما يصرفك عن أداء الطاعات من عجز ومرض وفتنة ؛ فإن الأجر يجريه الله تعالى لك كما كنت صحيحا ، كما أخبر بذلك النبي عليه الصلاة والسلام : إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا . كما في البخاري . فضلا من الله ونعمة فله الحمد .
ومن عوامل بناء النفس : مجالسة من رؤيتهم تذكر بالله عز وجل ؛ فمجالسة الصالحين تريك ما في نفسك من قصور وضعف وعيوب ؛ فتصلحها وتهذبها ؛ فهم زينة الرخاء وعدة البلاء ، يذكرونك إن نسيت ، ويرشدونك إن جهلت ، يأخذون بيدك إن ضعفت ، وإن دعوا الله لم ينسوك ، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم , ويكفي أنها تجعلك تذوق حلاوة الإيمان ، وتدخلك في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ، فإن ظفرت أخي بمجالسة الصالحين ؛ فأحبهم وأخبرهم أنك تحبهم ، وأطلق وجهك عند لقائهم ، وابدأهم بالسلام ، ونادهم بأحب الأسماء والكنى لديهم ، وافسح لهم في المجلس ، وزرهم واطلب الوصية منهم ، ليثبتك الله وتنتفع بتلك الكلمات ، هاهو الإمام أحمد يساق إلى المأمون مقيدا بالأغلال ، وقد توعده وعيدا شديدا قبل أن يصل إليه ، حتى قال خادمه : يعز علي يا أبا عبد الله أن المأمون قد سل سيفا لم يسله قبل ذلك ، وأنه أقسم بقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لئن لم تجبه ليقتلنك بذلك السيف ، وهنا يأتي الصالحون ، ليلقوا بالوصايا التي تثبت في المواقف الحرجة . فهذا أعرابي يعترض الامام أحمد ، ويقول : يا هذا إنك وافد الناس فلا تكن شؤما عليهم ، إنك رأس الناس فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه فيجيبوا ، فتحمل أوزارهم يوم القيامة ، إن كنت تحب الله فاصبر ؛ فوالله ما بينك وبين الجنة إلا أن تقتل . أخي إن أردت بناء نفسك ، فاحرص على طلب الوصية من الصالحين ، واعقلها إذا تليت عليك ، اطلبها قبل سفر إذا خشيت مما يقع فيه ، واطلبها أثناء ابتلاء ، واطلبها إذا عينت في منصب ، واطلبها في الشدة والرخاء والعسر واليسر ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) .
ومن عوامل بناء النفس : الخلوة للتفرغ للعبادة والتفكر في ملكوت الله ، انظروا في مخلوقات الله ، وآياته الكونية المشهودة ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْل وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) وكذا الاستئناس بمناجاة الله عن مناجاة الخلق ، في قيام ليل والناس نيام ، في صلاة في بيت عدا المكتوبة ، في ذكر لله ، كل ذلك عامل مهم في بناء النفس ؛ إن في الخلوة صفاء للذهن ، وسلامة من آفات الرياء والتصنع للناس ، وفيه بعد عما يتعرض له الإنسان غالبا بالمخالطة ، من غيبة ونميمة ولهو وضياع وقت ، ولعل المرء في خلوة يذكر الله ، فتفيض عيناه من خشية الله ؛ فيكون من السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله . ومع هذا فإن مخالطة الناس والصبر على أذاهم خير ، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ولكن اخل وخالط ، وكل له وقته .
ومن عوامل بناء النفس : الدعاء ، إذ هو العبادة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ، ففيه الذل والخشوع والانكسار بين يدي رب الأرباب ومسبب الأسباب ، وهو من صفات عباد الله المتقين ، الذين يعلمون أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ؛ فكان لسان الحال والمقال : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك . قال ابن كثير رحمه : كان بقي بن مخلد ، أحد الصالحين الأخيار ، عابدا قانتا خاشعا ، أتته امرأة صالحة ، فقالت : يا بقي ، إن ابني أسره الأعداء في أرض الأندلس ، وليس لي من معين بعد الله إلا ابني هذا ، فسل الله أن يرد علي ابني ، وأن يطلقه من أسره . فقام وتوضأ ، ورفع يديه إلى الحي الكريم ، الذي يستحي أن يرد يدي عبده صفرا خائبتين ، فدعا الله عز وجل أن يفك أسر ابنها ، وأن يجمع شملها بابنها ، وأن يفك قيده . وبعد أيام وإذا بابنها يأتي من أرض الأندلس ، فتسأله أمه ، مالذي حدث ؟ وما الذي جرى ، قال في يوم كذا في ساعة كذا ، وهي ساعة دعاء بقي ، سقط قيدي من رجلي ، أعادوه فسقط ، ألحموه فسقط ، فذعروا ودهشوا وخافوا ، وقالوا أطلقوه ، قالت فعلمت أن ذلك بدعاء صالح من عبد صالح ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء )
عباد الله : هلا تحسسنا وتلمسنا مواطن وأسباب إجابة الدعاء ؛ لعلنا نحظى بنفحة ربانية تكون بها سعادة الدنيا والآخرة ، في ثلث ليل آخر ، والناس هاجعون ، والناس نائمون ( وقال ربكم ادعوني استجب لكم ) ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان )
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم ، وبآي الذكر الحكيم ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
الحمد لله على إحسانه .....
ومن عوامل بناء النفس : تدبر كتاب الله جل وعلا ، والوقوف عند أسمائه الحسنى وصفاته العلا )أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) )أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً ) كلنا يقرأ القرآن ، وكثير منا يحفظ القرآن ؛ لكن هل من متدبر ربط حياته بالقرآن ؛ علامة الصدق والإيمان : كثرة قراءة القرآن ، وعلامة القبول : تدبر القرآن ، ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام : إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين . من حفظ القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه غير أنه لا يوحى إليه ، لا حسد في الدنيا ولا في مناصبها ولا في أموالها ، لا حسد إلا في تلاوة القرآن آناء الليل وأطراف النهار ، بيت لا يقرأ فيه القرآن عششت فيه الهموم والغموم والنفاق ، بيت سكنته المعاصي والله لا يخرجها إلا القرآن ، فأقبل عليه تلاوة وعلما وعملا وتدبرا ، لو تفاعل المؤمن مع اسم الله السميع العليم ، فربى نفسه عليهما ، فعلم أن الله يسمعه في أي كلمة ينطقها ، في أي مكان يقولها ؛ بل إنه ليسمع ويرى دبيب النملة السوداء على الصخرة السوداء في الليلة الظلماء . أما والله لو تفاعلت النفوس مع أسماء الله لتعلقت القلوب بالله ، فلا يقول الإنسان ولا يلفظ إلا بميزان ، هل هذا الكلام مما يرضي الله الذي هو يسمعه وسيحاسب عليه فأقدم وإلا فلا . في يوم من الأيام ، وعلى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يدخل رجل على زوجته مغضبا ، وكانت مغضبة ، وكان حديث عهد بجاهلية ، فأغضبته ، فقال لها : أنت علي كظهر أمي ، بمعنى أنها حرمت عليه ، فنزل الخبر عليها مهولا كالصاعقة . إلى أين تذهب ؟ ذهبت إلى من أرسله الله رحمة للعالمين ؛ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . دخلت عليه في بيت عائشة ، وما ذاكم البيت ؟ غرفة واحدة ، إذا جاء الضيف أو السائل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وضع ساترا في وسط الغرفة ، وتجلس عائشة في أقصى الغرفة ، والنبي صلى الله عليه وسلم مع السائل والضيف في أدنى الغرفة . قالت : يا رسول الله ، ظاهر مني ، فيقول صلى الله عليه وسلم : ما أراك إلا قد حرمت عليه ، فتقول : يا رسول الله : أكل مالي ، وأفنى شبابي ، نثرت له بطني ، حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي ظاهر مني ، فيقول صلى الله عليه وسلم : ما أراك إلا قد حرمت عليه ، فتقول : يا رسول الله ، لي منه صبية صغار إن ضممتهم إليه ضاعوا ، وإن ضممتهم إلي جاعوا . تجادل وتحاور الرسول صلى الله عليه وسلم ، وعائشة في الشق الثاني من الغرفة يخفى عليها بعض كلامهم . ويأتي الجواب مع جبريل من عند السميع البصير يقول ( قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ التِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) وتنزل كفارة الظهار ، ولك أن تتخيل عائشة بجانبهم يخفى عليها بعض كلامهم ، وما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام ، وما بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام ، وسمك كل سماء مسيرة خمسمائة عام ، ومن فوق السماء السابعة مسيرة خمسمائة عام ، ومن فوق ذلك عرش الرحمن ، ومن فوقه الرحمن بائن عن خلقه ، مستو على عرشه ، يسمعها ويسمعهم ؛ بل ( مَا يَكُونُ مِن نجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ) إنه الكمال المطلق لا إله إلا هو السميع البصير ، تقول عائشة رضي الله عنها بعد ذلك : تبارك الذي وسع سمعه السماوات والأرض وكل شيء ، لقد سمعها من فوق سبع سماوات ، وما سمعتها وما بيني وبينها إلا الحجاب .
عباد الله : إن النفس يوم تتفاعل مع هذه الصفة ، تتعلق في كل أمورها بالله ، فتراقبه ، وتنسى رؤية الخلق مقابل ذلك . فيا أيها العبد المؤمن إذا لقيت عنتا وظلما ومشقة وسخرية فلا تحزن . يا طالب العلم ، يا أيها الداعية : إذا جعلت الأصابع في الآذان ، واستغشيت الثياب ، وحصل الإصرار والاستكبار ، فلا تحزن ؛ إن الله يسمع ما تقول ، ويسمع ما يقال لك ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) يا أيها الشاب الملتزم الذي وضع قدمه على أول طريق الهداية ، فسمع زميلا أو قريبا يسخر منه ، ويهزأ به ؛ لا تأس ولا تحزن ، واثبت ، واعلم علم يقين أنك بين يدي الله يسمع ما تقول وما يقال لك . وسيجزي فاعلا ما قد فعل ( وَمَا يَعْزُبُ عَن ربكَ مِن مثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرْضِ وَلاَ فِي السماء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ ) إن النفوس يوم تربى على تدبر كتاب الله جل وعلا ، والوقوف على معاني أسماء الله الحسنى وصفاته العلا ، تبنى بناء لا يزعزعه أي عارض في أي شبهة أو شهوة أو ترغيب أو ترهيب ؛ بل تتعلق باللطيف الخبير السميع البصير ، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .
عباد الله : صلوا وسلموا على نبيكم محمد فقد أمرتم بالصلاة والسلام عليه فقال ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين . اللهم أنت خلقت أنفسنا وأنت تتوفاها ؛ فزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها ، لك مماتها ومحياها ، إن أحييتها فاحفظها بما تحفظ به أنفس الصالحين ، وإن أمتها فاغفر لها وارحمها وأنت خير الراحمين ، اللهم أتمم لنا العافية في الآخرة والدنيا والدين ، أنت ولينا توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين ، اللهم اقذف في قلوبنا رجائك حتى لا نرجو أحدا غيرك . اللهم إنا نسألك إيمانا ثابت ويقينا صادقا ، حتى نعلم أنه لن يصيبنا إلا ما كتبت لنا ، اللهم لا نهلك وأنت رجائنا ، احرسنا بعينك التي لا تنام وبركنك الذي لا يرام . اللهم أكشف عنا وعن المسلمين كل شدة وضيق ، واكفنا والمسلمين ما نطيق وما لا نطيق ، اللهم فرج عنا وعن المسلمين كل هم وغم ، وأخرجنا والمسلمين من كل حزن وكرب . اللهم احفظ إيماننا وأمن بلادنا ، ووفق ولاة الأمر لما فيه صلاح الإسلام والعباد .
سبحانك ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .

التعليقات ( 0 )

أكثر

مواقيت الصلاة

08:51 صباحاً
الفجر 5:15 am
الشروق 6:35 am
الظهر 12:25 pm
العصر 3:46 pm
المغرب 6:16 pm
العشاء 7:46 pm

المملكة العربية السعودية Hayil

استطلاع رأي

هل تستمع إلي القرأن أثناء القيادة؟

استطلاعات سابقة