• ×
alqawba.com@gmail.com
الخميس 4 مارس 2021 07-05-2020
 0  0  19

فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى

إن الحمد لله ، نحمدُه ونستعينه ونستغفره ، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسنا ومن سيئاتِ أعمالنا ، من يهْدِ اللهُ فلا مضِلَّ له ، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أنْ لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له ، وأشهد أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه ، بعثه اللهُ رحمةً للعالمين هادياً ومبشراً ونذيراً. بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصحَ الأمّةَ . صلواتُ اللهِ وسلامه عليه ، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ، وعلى صحابته وآل بيته ، وعلى من أحبهم إلى يوم الدين ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ )
أما بعد معاشر المسلمين : فإن كثيراً ما نسمع من إخوان لنا ، إذا نصحوا عن معصية ارتكبوها ، أو ذنب ألموا به ، قالوا كلمة حق يريدون بها تبرير خطأهم ، إن الله غفور رحيم ، والله واسع المغفرة ، ثم يأخذون في سرد الآيات التي حفظوها ، وربما يتمادى بعضهم في الجهل فيقول : إننا نصلي ونصوم ونتجنب الخمر والزنا ، وغيرنا لا يصلون ولا يصومون ويشربون الخمر ويزنون ، ألسنا أفضل منهم ، ويبدأون بالمنة على ربهم وتعداد محاسنهم في عجب وافتخار ( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ للإيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) والسؤال الذي يطرح نفسه : من أخبر هؤلاء المساكين أنهم أحسنوا أعمالهم ، وقاموا بها بتجرد وإخلاص ؟ ثم من أخبرهم أن الله قبلها منهم ؟ في الحديث القدسي : يا عبادي , كلكم ضال إلا من هديته , فاستهدوني أهدكم . وقال عليه الصلاة والسلام : لن ينجي أحداً منكم عمله . قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا ، إلا أن يتغمدني الله برحمته . من تأمل ذلك إلا ويوقن بضعفه وعجزه , فلا يتعاظم في نفسه أو يعجب بعمله ، فإن من علامات الافتقار إلى الله ، الوجل من عدم قبول العمل ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية { والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجله } أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون ؟ قال : لا يا ابنة الصديق ! ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون , وهم يخافون أن لا يقبل منهم , أولئك الذين يسارعون في الخيرات (إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ) تأمل حال هؤلاء المسارعين في الخيرات ، يقدمون أفضل الأعمال وأجلّها ، ويتجنبون أسوأها وأبشعها ، ويتنافسون في الطاعات والقربات بقلوب وجلة خائفة ، لأنهم يعرفون عظمة الإله الذي يعبدونه ، والرب الذي يوحدونه . ويوقنون بأن أيّ عبادة مهما عظمت وخلصت ، لا يمكن أن تفي بحق الله على عباده {ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد} يا عبادي , لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم ، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً . يا عبادي ، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم ، كانوا على أفجر قلب رجل واحد ، ما نقص ذلك من ملكي شيئآ . فإلى المعجبين بأعمالهم وطاعاتهم ، إن لم تدركهم عناية الله ورحمته ، فما أقرب تلك الطاعات إلى الهباء المنثور ، فإنّ العجب ممقوت ، وتزكية النفس ممنوعة ( فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ) ( وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) إن الذين يجعلون رحمة الله دافعاً لهم إلى المعصية والأمن من مكره ، فبئس ما اعتقدوا ، وبئس ما صنعوا . إنه الجحود والجهل بعينه . أفيكون جزاء النعمة والرحمة ، هي المعصية والتمرد والجراءة على الذنوب . إن البعض يخلطون بين الرجاء والتمني ، وبين الخوف والقنوط . فإن رأوا شخصا مفرطاً في دينه واقعاً في معاصيه ، يردد أرجوا رحمة الله . قالوا : هذا الرجاء بعينه ، إن هذا ليس هو الرجاء بل هو التمني ، فحقيقة الرجاء فعل الطاعات وترك المحرمات ثم ترجو رحمة الله . وفي مثل هذا يقول الله ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَـئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) آمنوا ثم هاجروا ، فتركوا الأهل والعشيرة والوطن ، وجاهدوا في سبيل الله ، ثم سألوا رحمة الله ورضوانه . أمّا أن يعطي نفسه هواها ويرجو رحمة ربه ، فهو التمني الذي لا يفيد صاحبه شيئا ، ولا يزيده من الله إلا بعداً ( لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ) وأما خلطهم بين الخوف والقنوط ، فإن رأوا شخصا يخاف ربه ويخشاه ، قالوا هذا قانط من رحمة الله ، فيدعونه بكل جهل وحماقة لترك هذا الخوف ( أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) لقد كان رسول الله سيد الخائفين فقد قال : لو تعلمون ما أعلم ؛ لضحتكم قليلاً ولبكيتم كثيراً ، ولما تلذذتم بالنساء على الفرش ، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى . وفي رواية ، ولحثوتم على رؤوسكم التراب . ألم يكن عليه الصلاة والسلام يسمع لجوفه أزير كأزير المرجل من البكاء ، ويصلي من الليل حتى تفطرت قدماه . أما أبو بكر فكان يقول : يا ليتني كنت شجرة تعضد ثم تؤكل ، أخاف أن يلقيني في النار ولا يبالي . وأما عمر فكان خوفه من الله عظيما ، كان يمر بالآية فيغلبه البكاء ، حتى يقول ابنه عبد الله إني لأسمع حنينه من وراء ثلاثة صفوف ، وإنَّه لينشج حتى أقول : اختلفت أضلاعه . مر برجل من الأنصار قائمًا يصلي فقرأ ( وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ) حتى بلغ ( إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ ) ثم رجع إلى منزله فعاده الناس ، لا يدرون ما مرضه . وأما عمر بن عبد العزيز فكانت زوجته تقول : كان يذكر الله في فراشه ثم ينتفض كما ينتفض العصفور المبلل ، حتى أقول : ليصبحن الناس ولا خليفة لهم { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون }( قل امنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا * ويقولون سبحان ربنا إن كان وعدُ ربنا لمفعولا * ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا) قال الفضيل بن عياض : أعلم الناس بالله أخوفهم منه . وقال : رهبة العبد من الله على قدر علمه بالله . إنّ من ترك القلب مشحوناً برذائل الأخلاق ، وانغمس في طلب لذات الدنيا غير مبال أَمِنَ حلال هي أم من حرام ، ورضي بالمنكر وواقعه ، ثم انتظر مغفرة الله ، فانتظاره حمق وغرور ، وجهل وضلال (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) فتأمل قول الله ( يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ) أليست هي مقولة أولئك الواهمين الذين يفعلون الذنوب ويقولون (سَيُغْفَرُ لَنَا ) ثم تأمل قول الله ( أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ ) يعني أن ما قالوه وفق ما فهموه باطل مفترى على الله سبحانه ، وليست الرحمة بقريبة من السادرين في غيهم ( إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ) إن خوف الصالحين إنما هو لشدة معرفتهم وعلمهم بالله . وفيهم يقول الله (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) ولم يأمنوا مكر الله ( فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ) وكيف يأمنون مكر الله والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء . ولهذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك . فإمام المتقين يتضرع إلى الله عز وجل بهذا الدعاء , فكيف بنا ونحن الفقراء المحاويج ؟
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم ، وبأي الذكر الحكيم ، أقول ماتسمعون ....
الحمد لله على إحسانه ....
عباد الله : إن حسن الظن بالنفس يمنع عن كمال الإصلاح ، ويري المساوئ محاسن والعيوب كمالا ، ولا يسيئ الظن بنفسه إلا من عرفها ، فالعبد الصادق لا يستهين بالمعصية مهما كانت صغيرة , تحقيقاً لقول النبي عليه الصلاة والسلام : إياكم ومحقرات الذنوب , فإنما مثل محقرات الذنوب كقوم نزلوا بطن وادٍ , فجاء ذا بعود , وجاء ذا بعود , حتى أنضجوا خبزتهم , وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه . ولهذا كان السلف يتحرجون أشد الحرج من الوقوع في المعاصي كبيرها وصغيرها , فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر , إن كنا نعدها على عهد رسول الله من الموبقات . وها هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول : إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه , وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا . وقد قيل : لا تنظر إلى صغر المعصية ولكن انظر إلى عظمة من عصيت . فاتقوا الله عباد الله بتوبة نصوح ، فالمؤمن الصادق يجد في قلبه ندماً وألماً على مقارفة العصيان , ويتفطر قلبه فرقاً وخشية من رب العزة والجلال , فالتوبة تملأ القلب افتقاراً إلى الله , فيلجأ إلى ربه منكسراً بين يديه , معترفاً بذنبه , باكياً على خطيئته , مستغفراً ربه , مستجيراً به { كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون * وبالإسحار هم يستغفرون }{ تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعا } طلب أبو بكر رضي الله عنه من النبي عليه الصلاة والسلام : أن يعلمه دعاء يدعوا به في صلاته . قال له قل : اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً , ولا يغفر الذنوب إلا أنت , فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم . فإذا كانت هذه هي وصية النبي لأبي بكر ، فكيف يكون حالنا ونحن المذنبون المفرطون ؟ فدعوا عباد الله حجج الشيطان وخداعه ، واحذروا سوء الخاتمة وشؤم المعصية ، فصاحب القلب الحي لم يسرف على نفسه في المعاصي والآثام , وسرعان ما يرجع إلى ربه تائباً منيباً إليه { والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون } { وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد * هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ * من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب } ولنكن إخوتي من الذين إذا سمعوا القول اتبعوا أحسنه ( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ )
اللهم اعتق رقابنا ورقاب أبائنا وأمهاتنا من النار ، اللهم لا نهلك وأنت رجائنا ، احرسنا بعينك التي لا تنام ، وبركنك الذي لا يرام . اللهم اكشف عنا وعن المسلمين كل شدة وضيق ، وأخرجنا والمسلمين من كل حزن وكرب . اللهم احفظ إيماننا وأمن بلادنا ، ووفق ولاة الأمر لما فيه صلاح الإسلام والعباد . سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .

التعليقات ( 0 )

أكثر

مواقيت الصلاة

08:45 صباحاً
الفجر 5:15 am
الشروق 6:35 am
الظهر 12:25 pm
العصر 3:46 pm
المغرب 6:16 pm
العشاء 7:46 pm

المملكة العربية السعودية Hayil

استطلاع رأي

هل تستمع إلي القرأن أثناء القيادة؟

استطلاعات سابقة